السيد محمد حسين الطهراني

75

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

أنّه كان يقول : إنّني لا أسمع صخباً ! وصادف أن وفد عليه ذلك الوقت بعد أيّام الحجّ أحد أقاربه في النسب ترافقه زوجته ، فأعطاه تلك الغرفة التي تعلو باب البيت ليستريح فيها ، فما انقضت ساعة إلّا وهبط منها إلى الأسفل وذهب إلى السرداب قائلًا : إنّ صراخ أطفال الزقاق وصخبهم لا يمنع من النوم فقط ، بل إنّه أمر غير محتمل حال اليقظة . فقال السيّد : إنّني لا أسمع صخباً ، وكنت مرتاحاً في الأوقات التي أقضيها في تلك الغرفة . عسرة معيشة سماحة السيّد الحدّاد خلال فترة الفناء الذي لا يوصف ولقد أدى به التوارد المتوالي لتلك الحالات ، إلى أن صار تحمّل العمل والكسب متعذّراً عليه ، أي أنّ بدنه كان ينهار وروحه كانت تنصرف عن عالم الطبع ، بالشكل الذي جعل إدارة أمور عالَم الطبع من أعسر المشاكل ، بل من الأمور المتعذّرة والمستحيلة . لذا فقد أناط إدارة الدكّان إلى مساعده السابق كي يأخذ لنفسه من حاصل العمل ما يكفيه ويجلب الباقي للسيّد . وكانت تلك هي طريقته حتّى عندما كان يذهب بنفسه إلى الدكّان ؛ إذ لم يكن قد عيّن مرتَّباً معيَّناً لمساعده ، ولم يكن يتناصف معه ما يكسب من العمل من الصباح حتّى وقت تعطيل الدكّان ، بل كان يقول لمساعده : كم تحتاج اليوم ؟ فكان يقول مثلًا : نصف دينار ! أو سبعمائة فلس ، أو أيّ مبلغ آخر ؛ فكان يعطيه ذلك ويجعل ما تبقّى لنفسه . وربّما كان يبقى له أحياناً خمسون فلساً فقط ، أو لا يبقى له شيء ؛ وكم كان يرجع بتلك الخمسين فلساً إلى البيت أو يعود بأيدٍ خالية . فما الذي سيفعله - ترى - بهذه العائلة الكبيرة ؟ ! إنّ الله سبحانه يبيّن هنا واجب رفقاء الطريق بأن يراقبوا بدقّة كاملة ويهتمّوا بحال بعضهم